سيّدة الأمـواج

مزّقتُ الورقة بحنق، هذه المرة لن أبكي!

لن يحتمل البحر ملوحة دموعي! سيُحال ملحاً خالصاً!

 .

نثرتها بقوة لتتلقفها الأمواج بشوق

آهـ أشعر بقليل من الراحة، وكأن هذه الأمواج تشاركني غضبي على ماكتب في هذه الأسطر اللعينة

  .

بينما أنا في غمرة نشوتي المؤقتة

سمعت صراخاً مكتوماً قادماً من البحر!!

تراجعت إلى الخلف بحركة لاإراديّة وكأنني أحمي نفسي من المجهول!

  .

“ستغضب سيدة الأمواج! ستغضب سيدة الأمواج!”

الصرخات المكتومة تردد وتردد!

.

وياللهول!!!

جسد مائي يقف بجانبي رافعاً يداه بهلع!

كائن شفاف تنبعث من أطرافه فقاعات متناثرة!

أهو جان؟ أم وحش؟ أم إنسان ملعون بلعنة ما!

ابتعدت عنه ليرمقني بنظرات وجل وخوف .. ولوم!

“لقد اتسخ البحر! لقد قمتي برمي القذارة في البحر! البحر متسخ! البحر متسخ!”

 .

وفي لحظة واحدة امتلأ وجهه بحبيبات بيضاء تغلي بقوة

ثم نظر باتجاه البحر ليصدر شهقة مدوية اهتزت لها الأمواج

فاستحال ماءً لم يملك إلا الاختلاط  بزبد البحر!

 .

أخذتني الصدمة ولم أحرك ناظري من مكان تناثره

قدماي لاتحملانني!

 .

 .

حاولت تنظيم زفراتي علها تعيد إليّ هدوئي

لم أنهي فكرتي حتى ارتفع الموج عاليًا

تصاعد وتصاعد حتى أصبح كجدار مائي عالق في الهواء!

 .

لينشقّ عن امرأة حسناء، لم أرى إنسيّة بجمالها

اتخذت العنبر عطراً واللؤلؤ رداءً

شعرها الأملس الأزرق الطويل الحيّ، وعيناها البراقتان الواسعتان

كل ملامحها تدل على أنها لاتنتمي إلى العالم الذي أعرفه!

 .

حدّقت بي بوجه خالٍ من الملامح

فالتجّ البحر وعلت الأمواج

 .

ثمّ استجابت غريزة الحياة فيّ أخيراً

لأعطيها واليمّ ظهري وأبتعد سريعاً بخطى مرتعدة وأنفاس متقطعة

 .

ابتعدت وابتعدت لكن المشهد لازال مستمرًا داخل عقلي الخائف

ولم ينتهي طوال الأيام التالية

 .

في جوف كل ليلة أستيقظ فزعة صارخة أتلمس طريقي إلى حيثُ سراج غرفتي

أضيئه وأقربه مني، قاضية لياليّ بانتظار انجلاء الظلال عنّي

 .

بعدها بأيّام أرسل بائع الأسماك طفلته بأسماك السردين التي طلبتها والدتي كالعادة

وعندما هممت بحمل الصندوق صَرَخَتْ بتعجب مشيرة إلى يدي بذهول

“أرى حبيبات بيضاء تندفع داخل يديك بجنون!”

نظرت إلى يدي لكني لم أرى شيئًا

حدجتها بعيني المحاطتان بالسّواد، ثم دخلت بسرعة

لم أكترث لما قالت، أو ربما أجبرت نفسي على عدم الاكتراث

 .

بقيتُ حبيسة غرفتي لأسبوعين آخرين مليئة بالصراخ والبكاء والهلع

ثم أتى ذلك الصباح الذي رفعت فيه راية استسلامي بخضوع

 .

سحبت قدمَيّ خارج حجرتي … متجهة نحو البحر

البحر الذي لم أره منذ ذلك اليوم

 .

عيناي حمراوان، لم أنم منذ ثلاثة أيام

ولم أضع في فمي شيئًا غير الملح، الملح والملح فقط

 .

رأيت والدتي وهي تودع جارتنا أمام باب المنزل بعد مغادرتي له بقليل

عيناي معلقتان بها ….

 .

أمي …

هل تعلمين بأني أستطيع رؤية ماخلف يداي …. !

أنا لا أكذب …

طفلة بائع السمك كذلك …

يداي شفافتان تمامًا، وحبيبات بيضاء تتقافز داخلها بحرارة ونشاط

كانت يداي فقط في بادئ الأمر

 .

الآن …

كلّي زجاجـة …

تملؤها التشققات …

ولا أعلم لمَ لا يمكنكم تمييز ذلك …

ولا أدري لمَ أشعر وكأن البحر يناديني …

 .

 .

وصلتُ إلى تلك البقعة الخاليَة من الناس

ووجدتُ تلك الحسناء في مكانها وسط البحر بين الموجة المعلقة

ترمقني، كما كانت آخر مرّة

 .

تقدّمت بانقياد وإذعان لما تردده الأمواج لي

بتلك اللغة التي لم أفهمها قبلاً

وقفت أمامها، ثمّ قبلت البحر بين يديهَا

مرددة “لم يعد البحر متسخًا بعد الآن، سيدة الأمواج”

أنهيتُ جملتي لتختفي كما لم تكن

ولأجلس القرفصاء أمام البقعة المقفرة .. إلى الأبد ربّما

أو إلى أن يتّسخ البحر ثانيَة، بسطور خيانة جديدة

 .

-تمّـت-

4 thoughts on “سيّدة الأمـواج

  1. جميله جداً فيافي !
    تطور حصيلتك اللغوية جداَ وااضح بهالقصه القصيره جداً !
    الكلمات رنانه وتعطي المعنى المطلوب تماماً !
    حبيت الكلمات كثير :$

    لكن عندي كم نقد :
    ١- كتبتي القصه يمكن بدون هدف واضح ؟ لأنو معليش عارفه ليه الملكة تبي تنتقم وتنظف البحر من إتساخ الخيانه أو مهما كان المكتوب في الرساله الممرقة وكيف أنها أعادت ماذاب في البحر ليكون لعنه عليها ويلتصق بيدها للأبد ! لتكون “شفافه بلون الخيانه” ربما ؟!

    شيء ثاني : لأعطيها واليمّ ظهري وأبتعد سريعاً بخطى مرتعدة وأنفاس متقطعة : .. التركيب النحوي فيه عكه وأتوقع من السرعة :$ تصير كثير خخخخخخ ..
    القصه جميله لكن تحتاج نظره ثانيه !
    فيه كمان حفره كبيييره لو منتبه لها ! كيف تُلعن الفتاه وهي مالمست البحر ! هنا مشكله ! لو تبينها تُلعن “ أو تكون تحت سيطرة كائن غير أرضي”
    يجب أن يكون فيه إلتماس فيزيائي بين الضحية و الكائن أو أحد أدواته ! في القصه قلتي إنها إنحاشت على طول، هنا نقدر نقول إنها انتصرت ونجت بجلدها !
    ممكن تقولين ان الجدار المائي كان مليان طحالب، وبدت تطيح على يدها ولما لمستها هي خافت وانحاشت بدون ماتفكر، ومع مرور الأيام تشوف يدها كيف تمتلي بالفقاعات البيضاء وتصير شفافه لأن اللعنه أُلقيت عليها !
    لكن من باب للطاق مايصير الأساطير تقول غير كذا الجوهره وعشق الأساطير ههههههههههه

  2. القصه رائعه // وبصراحه أحييك على هالكلام الجميل
    بحكم اني احب الكتابه والقصص .. أعتبر اسلوبك رائع وفي قمة الذوق
    وأيضا القصه أوصلت معنى مهم جدآآ
    والي فهمته // و وصل لي .. إنها الخيانه قذاره لا يتحملها البحر الذي حمل قذارات كثيره

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s